أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
45
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ل « مَوْعِظَةٌ » أي : موعظة مصاحبة أو ملتبسة بفضل اللّه . الرابع : قال الحوفي : الباء متعلقة بما دل عليه المعنى ، أي : قد جاءتكم الموعظة بفضل اللّه . الخامس : أن الفاء الأولى زائدة وأن قوله : « بذلك » بدل مما قبله ، وهو « بِفَضْلِ اللَّهِ » ، « وَبِرَحْمَتِهِ » وأشير « بذلك » إلى اثنين وهما : الفضل والرحمة ، كقوله : لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ . « 1 » وقوله : 2621 - إنّ للخير وللشّرّ مدى * وكلا ذلك وجه وقبل « 2 » وفي هاتين الفاءين أوجه : أحدها : أن الأولى زائدة ، وقد تقدم تحريره في الوجه الخامس . الثاني : أن الفاء الثانية مكررة للتوكيد فعلى هذا لا تكون الأولى زائدة ، ويكون أصل التركيب : فبذلك فليفرحوا ، وعلى القول الأول قبله يكون أصل التركيب بذلك فليفرحوا . الثالث : قال أبو البقاء : « الفاء الأولى مرتبطة بما قبلها ، والثانية بفعل محذوف تقديره : فليعجبوا بذلك فليفرحوا ، كقولهم : « زيدا فاضربه » أي : « تعمّد زيدا فاضربه » . والجمهور على « فَلْيَفْرَحُوا » بياء الغيبة » ، وقرأ عثمان بن عفان وأبي وأنس والحسن وأبو رجاء وابن هرمز وابن سيرين بتاء الخطاب ، وهي قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الزمخشري : « هو الأصل والقياس » . وقال الشيخ : « إنها لغة قليلة يعني : أن القياس أن يؤمن المخاطب بصيغة ( أفعل ) وبهذا الأصل ، قرأ أبي « فافرحوا » وهي في مصحفه كذلك ، وهذه قاعدة كلية ، وهي : أن الأمر باللام يكثر في الغائب والمخاطب المبني للمفعول ، مثال الأول : « ليقم زيد » وكالآية الكريمة في قراءة الجمهور ، ومثال الثاني : « ولتعن بحاجتي » ، ولتصدق يا زيد فإن كان مبنيا للفاعل كان قليلا كقراءة عثمان بن عفان ( ومن معه ) وفي الحديث : « لتأخذوا مصافّكم » « 3 » ، بل الكثير في هذا النوع الأمر بصيغة « افعل » نحو : « قم يا زيد ، وقوموا » ، وكذلك يضعف الأمر باللام للمتكلم وحده أو معه غيره ، فالأول نحو : « لأقم » تأمر نفسك بالقيام ، ومنه قوله عليه السّلام : « قوموا فلأصلّ لكم » « 4 » ، ومثال الثاني : « لنقم » أي : نحن : وكذلك النهي ومنه قوله : 2622 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد * بها أبدا ما دام فيها الجراضم « 5 » ونقل ابن عطية عن ابن عامر أنه قرأ « فلتفرحوا » خطابا ، وهذه ليست مشهورة عنه ، وقرأ الحسن وأبو التياح « فليفرحوا » بكسر لام الأمر وهو الأصل . قوله : هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ، هو عائد على الفضل والرحمة وإنّ كانا
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : ( 68 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت في كتب النحو ولم أجده مرفوعا . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 1 / 107 ) ، مسلم في المساجد باب ( 48 ) : رقم ( 66 ، 268 ) ، وأحمد في المسند ( 3 / 149 ) ، وأبو عوانة ( 2 / 73 ) . ( 5 ) تقدم .